عماد الدين الكاتب الأصبهاني
مقدمة 49
خريدة القصر وجريدة العصر
انتظار « البرق الشامي » أن يمطر ، وحاشا ذمّة الوعد به أن تخفر . واشتغال سيّدنا - في هذا الوقت - بالدرس والتدريس والتصوير والتكييف ، والتصانيف التي تصرّف فيها بالبلاغة أحسن التصاريف ، نعمة يتعيّن شكرها على العلماء ، ويختصّ باللذّة بها سادتهم من الفقهاء » . وفي سادس عشر شعبان وصل إلى دمشق الكامل محمد « 1 » بن الملك العادل من « حرّان » وهو يريد مصر ، تلبية لدعوة أبيه ليستنيبه فيها ، وكان أبوه يومئذ بمصر مدبّر الملك الصبي القاصر الملك المنصور محمد بن العزيز عثمان بن صلاح الدين الأيوبي ، فخدمه العماد بكلمة ، منها : قد كان يهضمني دهري ، فأدركني * محمّد بن أبي بكر بن أيّوب دعتك مصر إلى سلطانها ، فأجب * دعاءها ، فهو حقّ غير مكذوب وعزم على صحبته إلى مصر ، فخرج معه في الثالث والعشرين من شعبان ، وبلغها في الثلث الأخير من شهر رمضان ، فأقام فيها أشهرا أقبلت أوائلها فسرّته ، ثم أدبرت أواخرها فساءته وأجفل إلى دمشق هربا من الموت . أنس - أول أيامه - بما شهد من مظاهر البهجة في استقبال الملك العادل في موكبه الفخم ابنه من العبّاسة « 2 » ، وفي زفافه اليه مؤنسة خاتون ابنة أخيه السلطان صلاح الدين « 3 »
--> ( 1 ) ترجمته في وفيات الأعيان ( 2 / 50 ) ، ومرآة الزمان ( 8 / 434 وما بعدها ) ، والبداية والنهاية ( 13 / 149 ) ، وشذرات الذهب ( 5 / 172 ) . ( 2 ) العباسة : هي بليدة مصرية أول ما يلقى القاصد لمصر من جهة الشام ، بينها وبين القاهرة خمسة عشر فرسخا ، سميت بعباسة بنت أحمد بن طولون لسبب بسطه ياقوت في معجم البلدان ، وعمرت في أيام الملك الكامل بن العادل بن أيوب ، جعلها من متنزهاته ، وأكثر من الخروج إليها للصيد ، لأن إلى جانبها مما يلي البرية مستنقع ماء يأوي اليه طير كثير ، فكان يخرج إليها للصيد . ( 3 ) توفي السلطان صلاح الدين - رحمه اللّه - عن ستة عشر ذكرا وابنة : واحدة ، قال سبط ابن الجوزي : « وأما البنت فاسمها « مؤنسة خاتون » ، تزوجها الكامل بن العادل ، ( و ) ماتت عنده . وكان لصلاح الدين ولد اسمه إسماعيل ، مات في حياة أبيه » :